صالح حميد / عبد الرحمن ملوح
3205
موسوعة النضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم ( ص )
بحديث فالتفت فهو أمانة « 1 » . والثّاني : أن يكون حديثا في نفسك بما تستقبح إشاعته أو شيئا تريد فعله . وإلى الأوّل من ذلك أشار النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم بقوله : « من أتى منكم من هذه القاذورات شيئا فليستتر بستر اللّه » وإلى الثّاني أشار من قال : « من وهن الأمر إعلانه قبل إحكامه » . وكتمان النّوع الأوّل من الوفاء ويختصّ بعامّة النّاس ، والثّاني من الحزم والاحتياط وهو مختصّ بالملوك وأصحاب السّياسات . وإذاعة السّرّ من قلّة الصّبر وضيق الصّدر ، وتوصف به ضعفة الرّجال والصّبيان والنّساء ، والسّبب في أنّه يصعب كتمان السّرّ هو أنّ للإنسان قوّتين : آخذة ، ومعطية . وكلتاهما تتشوّف إلى الفعل المختصّ بها ، ولولا أنّ اللّه تعالى وكّل المعطية بإظهار ما عندها لما أتاك بالأخبار من لم تزوّده ، فصارت هذه القوّة تتشوّف إلى فعلها الخاصّ بها . فعلى الإنسان أن يمسكها ولا يطلقها إلى حيث ما يجب إطلاقها ، ولا يخدعنّك عن سرّك قول من قال : وأكتم السّرّ فيه ضربة العنق . وقول من ينشدك : ويكاتم الأسرار حتّى كأنّه * ليصونها عن أن تمرّ بباله فذلك قول من يستنزلك عمّا في قلبك ، فإذا استفرغ ما عندك لم يرع فيه حقّك ، فقد قيل : الصّبر على القبض على الجمر أيسر من الصّبر على كتمان السّرّ . وما أصدق من أنبأ عن حقيقة حاله حيث قال له صديقه : أريد أن أفشي إليك سرّا تحفظه عليّ فقال : لا أريد أن أوذي قلبي بنجواك ، وأجعل صدري خزانة شكواك ، فيقلقني ما أقلقك ، ويؤرّقني ما أرّقك فتبيت بإفشائه مستريحا ويبيت قلبي بحرّه جريحا . وقد قيل : أكثر ما يستنزل الإنسان عن سرّه في ثلاثة مواضع : عند الاضطجاع على فراشه ، وعند خلوّه بعرسه ، وفي حال سكره ، ومن حقّ من يسارر غيره أن يتجنّب المحافل لأمرين : أحدهما : الحذر من أن يساء به الظّنّ : فهذا يقول قد اغتابني * وذا يستريب ، وذا يتّهم والثّاني : أنّه ربّما يتتبّع بالفحص فيطّلع على مراده . ولذلك قال النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم « إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون الثّالث ؛ فإنّ ذلك يحزنه » « 2 » . والكتمان نوعان أيضا : الأوّل : الكتمان المحمود ، وهو ضرب من الأمانة ونوع من الوفاء ، وعلامة على الوقار ، وهو كتمان سرّ الغير أو النّفس وهو مناط هذه الصّفة ومعقدها . الآخر : الكتمان المذموم وهو على ضربين أيضا : أ - كتمان الشّهادة : وقد ذمّه المولى عزّ وجلّ في قوله وَلا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ ( البقرة / 283 ) . وقال عزّ وجلّ أيضا وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ ( البقرة / 140 ) . ب - كتمان ما أنزل اللّه : وقد أخذ المولى عزّ
--> ( 1 ) أي التفت المتكلم يرى أيسمعه أحد أم لا . ( 2 ) الذريعة إلى مكارم الشريعة للراغب ( 297 ) .